صديق الحسيني القنوجي البخاري
32
فتح البيان في مقاصد القرآن
ومنه مكأ است الدابة إذا نفخت بالريح ، وقيل المكاء هو الصفير على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء ، والتصدية التصفيق يقال صدى يصدي تصدية إذا صفق ، وقيل المكاء الضرب بالأيدي والتصدية الصياح ، وقيل المكاء إدخالهم أصابعهم في أفواههم والتصدية الصفير . وقيل التصدية صدهم عن البيت . ومعنى الآية أن المشركين كانوا يصفرون ويصفقون عند البيت الذي هو موضع للصلاة والعبادة ، فوضعوا ذلك موضع الصلاة قاصدين به أن يشغلوا المصلين من المسلمين عن الصلاة ، وعن عكرمة قال : كان المشركون يطوفون بالبيت على الشمال فالمكاء مثل نفخ البوق والتصدية طوافهم على الشمال . وقال السمين : التصدية فيها قولان « أحدهما » أنها من الصدى وهو ما يسمع من رجع الصوت في الأمكنة الخالية الصلبة ، يقال منه صدى يصدي تصدية ، والمراد بها هنا ما يسمع من صوت التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى ، وقيل مأخوذ من التصدد وهو الضجيج والصياح والتصفيق ، ويدل عليه قراءة إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ بالكسر أي يضجون ويلغطون « والثاني » أنها من الصدّ وهو المنع ، ويؤيده قراءة يصدون بالضم أي يمنعون انتهى ، والمكاء الصفير وهو الصوت الخالي عن الحروف . والمعنى أنهم فوتوا ما حقهم أن يشتغلوا به في هذا المكان من الصلاة وشغلوه بهذا اللعب والخراف والهوس ، واستثنى المكاء والتصدية مع أنهما ليسا من جنس الصلاة تقريعا للمشركين بتركهم ما أمروا به في المسجد الحرام ، فإن ما لا يدخل تحت الشيء قد يستثنى منه لمصلحة وغرض كقصد المدح والذم ؛ فعلى هذا يكون التقدير وما كان موضع صلاتهم أي عوضها إلا مكاء وتصدية . فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ هذا التفات إلى مخاطبة الكفار تهديدا لهم ومبالغة في إدخال الروعة في قلوبهم ، والمراد به عذاب الدنيا كيوم بدر ، وعذاب الآخرة ، قال الضحاك : يعني أهل بدر عذبهم اللّه بالقتل والأسر . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 36 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ( 36 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لما فرغ سبحانه من شرح حال هؤلاء الكفرة في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية ، والمعنى أن غرض هؤلاء الكفار في إنفاق أموالهم هو الصد عن سبيل الحق بمحاربة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجمع الجيوش لذلك ، وذلك كما وقع من كفار قريش يوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب فإن الرؤساء كانوا ينفقون أموالهم على الجيش . وعن ابن عباس قال : نزلت في أبي سفيان بن حرب ، وعن مجاهد وسعيد بن